محمد جمال الدين القاسمي

454

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

في حال الطفولة . فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب والاحتمال . حتى لا يقول لهما ، إذا أضجره ما يستقذر منهما ، أو يستثقل من مؤنهما : أُفٍّ فضلا عما يزيد عليه . أفاده الزمخشريّ . وقوله : وَلا تَنْهَرْهُما أي تزجرهم عما لا يعجبك ، بغلظة وَقُلْ لَهُما بدل التأفيف والنهر قَوْلًا كَرِيماً أي حسنا كما يقتضيه حسن الأدب معهما . ومعنى قوله : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ تذلّل لهما وتواضع . وفيه استعارة مكنية وتخييلية . فشبه الذل بطائر تشبيها مضمرا ، وأثبت له الجناح تخييلا ، والخفض ترشيحا . و ( خفضه ) ما يفعله إذا ضم أفراخه للتربية . أو استعارة تصريحية في المفرد وهو الجناح ، والخفض ترشيح . و ( الجناح ) الجانب كما يقال ( جناحا العسكر ) وخفضه مجاز . كما يقال ( ليّن الجانب ) و ( منخفض الجانب ) وإضافة الجناح إلى الذل للبيان . لأن صفة مبيّنة . أي جناحك الذليل . وفيه مبالغة لأنه وصف بالمصدر . فكأنه جعل الجناح عين الذل . أو التركيب استعارة تمثيلية . فيكون مثلا لغاية التواضع . وسر ذكر الجناح وخفضه ، تصوير الذل كأنه مشاهد محسوس . و مِنَ من قوله تعالى : مِنَ الرَّحْمَةِ ابتدائية على سبيل التعليل . أي من فرط رحمتك لهما ، وعطفك عليهما ، لكبرهما وافتقارهما اليوم ، إلى من كان أفقر خلق اللّه إليهما بالأمس . وافتقار المرء إلى من كان مفتقرا له ، غاية في الضراعة والمسكنة . فيرحمه أشد رحمة . كما قال الخفاجيّ : يا من أتى يسأل عن فاقتي * ما حال من يسأل من سائله ؟ ما ذلة السلطان إلا إذا * أصبح محتاجا إلى عامله وقوله تعالى : وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً أي رب ! تعطف عليهما برحمتك ومغفرتك ، كما تعطفا عليّ في صغري ، فرحماني وربياني صغيرا حتى استقللت بنفسي ، واستغنيت عنهما . قال الزمخشري : أي لا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها ، وادع اللّه بأن يرحمهما رحمته الباقية . واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك . والكاف للتعليل . أي لأجل تربيتهما لي . قال الطيبيّ : الكاف لتأكيد الوجود . كأنه قيل : رب ارحمهما رحمة محققة مكشوفة لا ريب فيها كقوله : مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [ الذاريات : 23 ] ، وهو وجه حسن .